مرّت ثلاث سنوات على سفري إلى برلين. لم أنتهِ بعد من رسالة الدكتوراه (وأعتقد أن بدءي بهذا المشروع، إن دل على شيء، فهو تسويفي في مشاريع أخرى غير كتابة بقية فصول الرسالة). لكنني أتذكر لحظات الغربة المريرة في الأشهر الأولى في ألمانيا، وكيف داويت غربتي وآلامي بقراءة ترجمة رشحات عين الحياة – وهو مناقب وطبقات مشايخ الطريقة النقشبندية للمؤلف فخر الدين علي في القرن الخامس عشر خلال سفره في بلاد فارس – من الفارسية إلى العربية على يد المترجم محمد مراد القازاني. كان القازاني مسلمًا من تتار روسيا، سافر إلى مكة المكرمة في بداية القرن العشرين وانخرط في الطريقة النقشبندية، وأخذ يترجم الرشحات ليداوي جرح غربته.
لفتت نظري الترجمة العربية للكتاب: أولاً، وأنا أعكف على مشروع رسالة الماجستير – فقد قمت بدراسة هذه الترجمة في فصل من فصول الرسالة –، وثانيا، عندما سافرت وشعرت بنفس الغربة التي شعر بها المترجم القازاني.
ليلة سفري إلى برلين في شتاء 2022 كانت عصيبة ومليئة بالبكاء. أذكر أنني نظرت إلى أمي من خلال دموعي الغزيرة (أنا أصلا "دمعتي قريبة") وقلت لها: "أنا خلاص، هكلم الجامعة وأعلمهم بتغيير رأيي. مش هعمل الدكتوراه في برلين".
احتوتني أمي في هذه الليلة وجلست معي حتى انتهيت من البكاء (لكني عزيزي القارى لم انتهي). وبعد عويل لاينقطع من ناحيتي، والله يكون في عونها لأنها ترى مثل هذا المشهد كثيرا مني، قالت لي: "قومي اغسلي وشك وكفاية عياط. ده إيه الهم ده!" كان هذا كافيًا لأفيق من نوبة النحيب، لأنني أعلم أن ما سيخفف آلامي هي الكتب.
غسلت وجهي كما أمرتني أمي، وفتحت هاتفي للبحث في جوجل عن "كتب تقرأها في برلين" أو "كتب للتعرف على برلين". وجدت بعض المقالات التي اقترحت العديد من الروايات والقصص القصيرة، التي تلخص مأساة جمهورية فايمار وصعود الحزب النازي، أو روايات ملحمية عن الحرب العالمية الثانية، أو كتاب هانا آرنت عن محاكمة آيخمان في القدس.
أتذكر تلك الليلة الشتائية أنني قرأت تلك الاقتراحات لاختيار كتاب يخفف ألم فكرة السفر والابتعاد عن القاهرة وبيتي وأهلي. كان عليّ أن أنام لأن موعد طائرتي كان في الصباح الباكر، لكنني شخص مهووس بعاداته، لا أستطيع ترك مهمة غير مكتملة (أو هي تتركني غير مكتملة).
منذ صغري، ألجأ إلى الكتب لفهم التركيبة داخلي التي تتطور مع الزمن، وأيضا لفهم الأحداث غير المألوفة حولي – سواء كانت سياسية، نفسية، عاطفية، وغيرها. أتذكر عندما كنت في الثانية عشرة من عمري، حضر أبي اجتماع أولياء الأمور في مدرستي. خلال الاجتماع، خانتني معلمة اللغة العربية واعترفت له بأنني "مش عارفة أعرب ولا كلمة في حصة النحو. هو أنتم بتذاكرولها عربي خالص يا دكتور؟"
عدت إلى المنزل متوقعة عقابا قاسيا و"تهزيقا"، لكنني لم أواجه أيًا من ذلك. وجدت أبي بعد يومين يناديني بعدما رنّ جرس الباب. كان هناك طرد كبير بجانب الأرض. أومأ إليّ لأخذه وقال: "جبتلك كتب".
في ذلك السن، لم أكن مهتمة بالقراءة. كنت منشغلة بمشاكلي و"همي اللي ما يتلم" مع مأساة صديقاتي في الابتدائية – وما أدراك ما شر أن تكون فتاة تحاول أن تصاحب فتاتين أخريين في سن المراهقة. نظرت إلى الطرد الذي بدا أنه يكبر كلما تأملته. عندما فتحته، وجدت أنها ترجمات سلسلة هاري بوتر التي نشرتها دار نهضة مصر. نظرت إلى أبي مذهولة، فقال: "حاجة خفيفة وبسيطة تقريها بالعربي علشان تحسني لغتك".
لم أقرأ الكتب حينها. تركتها منسية لشهور، حتى كدت أفقد والدي في حادث سيارة.
بينما كانت أمي تبيت بجانب أبي في غرفة العناية المركزة، كنت في بيت جدي وجدتي، ضائعة وأبحث عن أي شيء يطمئنني على والدي أو يخفف هلعي وخوفي. كانت جدتي حديثة الاشتراك في قنوات ART، ووجدت نفسي في أول يومين أشاهد فيلم "حليم" بطولة أحمد زكي مرارًا وتكرارًا (ربما أترك مجالًا للكلام عن أهمية هذا الفيلم لتكويني الدرامي في سياق آخر). عندما ينتهي الفيلم على قناة ART، أذهب إلى قناة ART 2 لأشاهده مجددا. لكن مشاهدة وفاة عبد الحليم حافظ مرات متتالية لم تكن الخيار الأفضل لتهدئة نفسيتي. في النهاية، تذكرت كتب هاري بوتر. قررت أن أبدأ بقراءتها، وخدعت نفسي بالاعتقاد أن إنهاء أول كتاب قد يكون سببًا في شفاء والدي.
عقلي كطفلة لم يتصور أن شفاء والدي سيكون بفضل دعاء والدتي ودموعها، وليس بسبب قراءتي الممتلئة بالذنب. لم أكن أدرك بعد أهمية الدعاء في المدرسة خلال حصص التربية الدينية، لكنني كنت أعرف عدد الأبقار في شمال أفريقيا!
لم تشفِ قراءتي والدي، لكنها احتضنتني عندما لم أستطع فهم احتمالية فقدان أبي، الذي قرر شراء كتب هاري بوتر "علشان مس ميرفت البرنس متهزئنيش في حصة النحو".
قرأت لأداوي صدمتي، وأثبت لأبي أنني بحاجة إليه ليبقى صامدا حتى يسمع من مس ميرفت عن تحسني. تعافى أبي، لكنني لم أتحسن في النحو – سامحيني يا مس ميرفت، والله بحاول – ومع ذلك، بدأت ألتهم الكتب.
في أول شهر لي في برلين، شعرت بالضيق والوحدة – لم أكن قد بدأت بالذهاب إلى الجامعة وكان كل تركيزي على الأمور البيروقراطية والورقية المطلوبة من "بنتنا صاحبة البشرة السمراء اللي جاية تتعلم في بلاد الفرنجة". وأنا أعاني لاجد مواعيد لتسجيل سكني وإيجار الغرفة – الله يلعن الإنملدونج – في منطقة شونبرج، وجدت نفسي أبدأ وألقي كتبًا تقترحها الإنترنت للتعرف والتأقلم في برلين. لم أجد شيئا يريح همي بعد مشاوير اليوم. الشمس تغرب عند الرابعة مساءً، والبرد القارس ينهش العظام، وزميلتي في السكن الألمانية تعتقد أن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية والولايات المتحدة لها جنود تحت الأرض للتحكم في الحكومة الألمانية. الصبر من عندك يا رب.
اتلهيت من هذا الهم بعد تواصلي مع مشرفة الدكتوراه، فقد أرسلت إلي رسالة تطلب مني إرسال بحثي في الماجستير حتى تقرأه. وها أنا أبحث عن الرسالة، وجدت ملاحظاتي عن المهاجر التتاري محمد مراد القازاني ورحلته في ترجمة الرشحات. بدأت في قراءة الترجمة مرة أخرى من باب الملل والفضول، ولكني وجدت نفسي منهمكة في قراءة قصة القازاني مرة أخرى، لكن الآن بعين قارئ وليس بعين باحثة تنقب عن معلومات. نسيت ما طلبته مني المشرفة ونسيت همي.
وأنا في خط القطار الدائري – Ringbahn – بدأت رحلتي مع القازاني.
وُلد القازاني في قرية صغيرة تُدعى ألمات-منزلة، الواقعة بين أوفا وقازان في منطقة الأورال-الفولغا بروسيا. تعلم قواعد اللغة العربية، والمنطق، والأخلاق، وعلم الكلام في مدرسة عمه حتى بلغ الثامنة عشرة من عمره. ومن هذا السن بدأت غربته الموجعة لطلب العلم. ففي عام 1873، سافر إلى قازان بهدف الاستقرار في مدرسة شهاب الدين القازاني المرجاني. وكان هذا سلوكا مألوفًا في بلدهم (وسلوكا لكل طالب للعلوم الدينية في هذه الفترة – الكل كان يقدم على منح وفرص للسفر للخارج مثلنا بالضبط). ولكن بسبب ظروف غير متوقعة، توجه القازاني إلى بخارى في أوزبكستان. عندما وصل إلى بخارى في عام 1875، حضر دروس عبد الله السرتاوي وعبد الشكور التركماني، ودرس الشروح والحواشي التي كانت شائعة في بلاد العرب. ومع ذلك، وجد أن بخارى كمركز تعليمي لم تعد كما كانت. وأدرك القازاني أن البقاء هناك سيكون مضيعة للوقت. لذا، غادر متوجها إلى الحجاز.
حوالي عام 1878، مر القازاني عبر لاهور، بومباي، وكراتشي في الهند في طريقه إلى مكة المكرمة. وعند وصوله، سعى للاندماج مع المجتمع التتري الذي كان يعيش في مكة، والذي كان يتألف من طلاب في المدارس الدينية بالإضافة إلى تجار مؤثرين. وفي عام 1880، تزوج من أسماء، ابنة محمد شاه، أحد أفراد المجتمع التتري في مكة. عاش القازاني حياة علمية مثمرة كعالم مقيم في مكة، حيث درّس العديد من الطلاب القادمين من أماكن متنوعة في العالم الإسلامي، وخاصة في مدرسة أمين آغا ومدارس المحمودية.
بدأت علاقته بالطريقة النقشبندية عندما أصبح تلميذا للشيخ الصوفي النقشبندي محمد مظهر، الذي ترك أثرا عميقا في نفسه. كان مظهر مهاجرا من دلهي، استقر في مكة مع والده عندما كان في التاسعة والعشرين من عمره. في الحرمين، انخرط مظهر في الطريقتين المحمدية والأحمدية، بالإضافة إلى النقشبندية، وتولى منصبًا تعليميًا. يروي القازاني عن مشاركة شيخه مظهر في المشهد الفكري في الحجاز، حيث قام ببناء مدرسة في البقيع مكونة من ثلاثة طوابق تحتوي على مكتبة ضخمة، إلى جانب مساحة للتدريس.
يصف القازاني في سيرته الذاتية المناخ الفكري للطريقة النقشبندية في مكة خلال القرن التاسع عشر، والذي كان يشمل طيفا واسعا من المسلمين. فحلقات التعليم التي كان يديرها محمد مظهر كما عاشها القازاني، كانت تجربة متعددة الأعراق – حيث كان الطلاب يأتون من الهند وآسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا وأجزاء مختلفة من العالم العربي. هؤلاء الرجال متعددو الأعراق هم من يمدحهم القازاني لدورهم البارز في بناء مجتمع مترابط – ليس فقط في مكة – بل أيضًا في أطراف ما يشكل العالم الإسلامي.
أذكر أنني شعرت بانبهار أول ما وصلت برلين. كان دائما في مخيلتي أن برلين كئيبة، مليئة بالألمان الذين يعيشون بآثار الذنب النازي بشكل يومي (عزيزي القارئ، هي كذلك بالفعل)، ولكن اندهشت عندما وجدت عرب في كل مقصورة مترو أركبها. اكتشفت في أول أسبوع في برلين أن حياتي في مصر كانت مقصورة على دوائر معرفة صغيرة للغاية – ولكنني كنت أؤمن بشدة بالفكرة الساذجة أن الإنترنت جعل العالم قرية صغيرة! ومع ذلك، وجدت نفسي أتفاعل مع اللبنانيين، والسوريين، والأتراك، والبنغاليين، والمغاربة فقط عندما خطوت خارج دائرتي المغلقة في القاهرة؛ فهم أشخاص لم أكن لألتقي بهم أبدًا لو لم أسافر.
نقضي وقتًا طويلًا في التذمر من العصور المظلمة في الماضي، لدرجة أننا نعتبر أمورا كثيرة مثل الترابط، والسفر، والانفتاح على ثقافات أخرى في الفترات المختلفة من التاريخ العربي من المسلمات. شاب من قرية صغيرة في منطقة الأورال-الفولغا كان لديه شبكات واسعة (أوسع من فتاة في القرن الحادي والعشرين تتفشخر بتواصلها عبر شبكات الإنترنت بالأخبار) بسبب تنقله عبر روسيا، والعالم الفارسي، وشبه القارة الهندية، وأخيرا شبه الجزيرة العربية. أولئك الذين سعوا وراء الطرق التقليدية لتحصيل العلم في الفترة ما قبل الحداثة كان يُطلب منهم مغادرة أوطانهم المألوفة، واكتشاف ثقافات جديدة، وتحمل المشقة. أتذكر قبل أن أسافر، التقيت بأستاذي بالماجستير – لا بد أنه شعر بالقلق الذي كنت أعاني منه بسبب السفر للخارج بمفردي – لأنه ذكرني بسداسية الإمام الشافعي عن طلب العلم:
أخي لن تنال العلم إلا بستةٍ . . . سأنبيك عن تفصيلها ببيانِ
ذكاءٌ وحرصٌ واجتهادٌ وبُلغةٌ. . . وصحبةُ أستاذٍ وطولُ زمانِ
منذ ذلك اللقاء واتفكر بهذه السداسية –واذكر نفسي اني محسبنش على الأستاذ لانه هو اللي شجعني على التقديم للخارج–، واكتشفت ان صحبتي للقازاني كانت علاج لحدة الرحلة.
كان عام 1884 عامًا صعبًا على القازاني، حيث فقد اثنين من شيوخه، محمد مظهر وعبد الحميد الداغستاني، مما جعله في حالة من الحزن الشديد وأزمة نفسية عميقة. فكان الخوف من عدم استكمال انضمامه للطريقة سببًا في قلقه، لدرجة أنه قرر السفر إلى الهند على نحو مفاجئ، راغبا في الانضمام إلى الطريقة عبر شيوخها في الهند. ولكن لم يكتمل مشروع سفره للهند. شعر القازاني بالراحة عندما صعد عبد الله الزواوي في مكة ليصبح شيخ الطريقة، وتولى تعليمه شخصيًا.
شعور الغربة لدي لم يقتصر على بعدي عن أهلي وأصدقائي، ولكن أيضا جعلني بعدي عن أساتذتي أشعر أن تعليمي وتثقيفي لم يكن مجهودًا مقتصرًا على محاضرة وبحث يُسلم في آخر الفصل الدراسي. حزنت على الدوائر غير الرسمية التي كنا ننسقها في قسم الدراسات العربية والإسلامية في الجامعة. وشعرت بالأسف على الجهد الذي يبذله الأساتذة في بناء معرفتنا التي تتجاوز مجالات تخصصنا. كان أستاذي (الذي فكرني بالإمام الشافعي) يجعلنا نقرأ أوراقنا البحثية بصوت عالٍ معا، حتى يمنح كل سطر الاهتمام الذي يستحقه. في برلين، وبعد الاجتماع مع المشرفين، أدركنا أننا سنحصل على تواصل محدود جدًا أو في بعض الاحيان معدوم. أصبح طريق طلب العلم أكثر عزلة مما كنت أتوقع.
ولكن مثل القازاني، أخذت معاناتي منحنىً مختلفا للأفضل عندما التقيت بزملائي في برنامج الدكتوراه. لا أعرف لما تطرقنا الي موضوع الغربة والأكتئاب، لكن أحد زمائلي الأترك اخذ ينشد أغنية بلغته بدت حزينة للغاية.
بعدما انتهى من الغناء سالناه عن الأغنية، قال:
" اسمها Yemen Türküsü، كانت أغنية عن الجنود العثمانين الذين حاربوا في اليمن في الحرب العالمية الاولى. لم يرجع اي منهم الي الدولة العثمانية. مات الجميع في الغربة“.
"ويا فرحة ما تمت" قلت في نفسي وأنا أقرأ بداية معاناة القازاني. للأسف، اضطره المنصب الجديد للشيخ الزواوي إلى السفر باستمرار بين مكة والمدينة، مما أعاد إلى القازاني حالته النفسية المظلمة مجددا – غارقا في موجات من الوحدة والقلق. لدرجة أنه تحدث عن تلك الفترة كلحظة عرقلت عمله العلمي، إذ كان مثقلاً بالحنين إلى الوطن ومحنة الابتلاء بالغربة. وقدم القازاني لقرائه صورة عن السهول والأنهار والبراري التي كان يشتاق إليها في وطنه:
” أفضل ما في هذه الأرض في آسيا الوسطى هي الموسيقى الجميلة للطبيعة وخلق الله، التي تقيم بجانب الأنهار الهادئة مثل البط، والإوز، وغيرها… لا يستطيع الغريب أو من ابتعد عن [هذا] الوطن أن يمنع نفسه من البكاء إلا إذا كان قلبه من حجر أو فولاذ“.
كان القازاني مولعا بالقراءة. ولم يتراجع شغفه بالكتب حتى أثناء فترات كآبته. كجزء من اكتشافاته الأدبية للمخطوطات المتواجدة في مكة، عثر القازاني على ترجمة فارسية وتركية لكتاب الرشحات، ومنذ تلك اللحظة، أصبح الكتاب رفيقه الدائم ليلا ونهارا. ربما، مثلي، شعر القازاني بنوع من القرابة مع مؤلف الرشحات فخر الدين، الذي غادر مدينته هرات للسفر مع شيخه لطلب العلم.
بدأ تأليف كتاب الرشحات نتيجة سلسلة من الرحلات التي قام بها مؤلفه، فخر الدين علي. كان كتاب الرشحات نصا متحركا في نشأته، وقد عُزز ذلك من خلال انتشاره في شكل مخطوطات ومطبوعات، حيث تم توزيعه على نطاق واسع وترجمته إلى التركية والعربية والأردية والأوزبكية من الفارسية الأصلية. تعج صفحات تاريخ الطريقة النقشبندية بذكريات السفر، والشبكات الفكرية، والرحلات الروحية، التي ترمز إلى حياة فخر الدين وكذلك إلى الطريقة النقشبندية بأكملها.
في مقدمة النص، الذي كُتب في عام 1503، يُخبر فخر الدين قراءه بأن هذا الكتاب المتواضع كان يُقصد به أن يكون ذيلاً (ملحق) لكتاب نفحات الأنس لعبد الرحمن الجامي (سنخص جامي بمقالة أخرى في سلسلة المقالات هذه). ويشرح فخر الدين لقرائه سبب اختيار عنوان كتابه قائلًا:
"رشحات عين الحياة تملأ كتابي، فإذا بدأت بالحديث عن علم أو حكمة هذه الطريقة، أشير بدائرة صغيرة وكأنها رشحة (قطرة ندى) أمام اسم الشيخ"
ويواصل القول:
"قررت أن أجمع هذه النفائس المتبرّكة، والكلمات المباركة التي وقع استماعها من حضرة شيخنا في تلك الأيام المحمودة والأوقات المسعودة ليكون جليسا لهذا المتحيّر في بادية البعد والهجران، وأنيسا لمقعد زاوية اليأس والحرمان؛ راجياً لحصول التشفي من ملاحظة معانيه الدقيقة للقلب المحزون"
لم يكن يتوقع فخر الدين أن يكون كتابه جليسا وأنيسا لعالم تتاري في الحجاز، أو فتاة مصرية في برلين.
وفي محاولة منه لمقاومة الأفكار السوداوية، شرع القازاني في مشروع ترجمة الرشحات؛ ليس فقط ليشعر بالقرب من الطريقة النقشبندية من خلال الانخراط في النص، ولكن أيضا لتحقيق فائدة لإخوانه النقشبندية. وعندما انتهى من ترجمة الرشحات في عام 1886، قدمها لشيخه الذي كان مسرورا بها لدرجة أنه قرر تمويل طباعة الكتاب بنفسه.
تولى القازاني دوره في الحجاز بحماس وشغف لا مثيل له. نُشرت الترجمة العربية للقازاني لأول مرة في عام 1886 في المطبعة الحكومية المكية، حيث حررها الزواوي بنفسه وأضاف تقريظا يشيد بمهارة القازاني في الكشف عن تعقيدات اللغة الفارسية ونقلها إلى اللغة العربية.
بعد ستة وثلاثين عاما في مكة، قرر القازاني العودة إلى روسيا مع عائلته، حيث عمل في مكتبات وأرشيفات سانت بطرسبرغ، وسافر في أنحاء الامبراطورية الروسية، وجمع مواد لعمله التاريخي تلقيح الأخبار، الذي اعتبره المستشرقون الروس أعظم أعماله. ولكن هذا الكتاب نفسه وضعه في مأزق سياسي. ففي عام 1915، تم اعتقاله بسبب كتابه وأُرسل إلى سيبيريا — مرة أخري في الغربة يا عزيزي — وفقط بفضل جهود استثنائية تمكن من تجنب النفي والعودة إلى عائلته التي كانت تعيش حينها في أورينبورغ.
بعد الثورة الروسية في عام 1917، اختبأ القازاني في الاتحاد السوفيتي، مطاردا من المسؤولين السوفييت ومنبوذا من المصلحين المسلمين من المجتمع التتري. كان يحلم بمغادرة بلاده التي انقلبت ضده، وعندما تمكن من تحقيق ذلك في عام 1919، هرب مع عائلته إلى قرية مغمورة في غرب الصين، حيث بقي حتى وفاته.
ومات القازاني في الغربة.
سواء تتذكره كشيخ نقشبندي، أو مترجم، فمن الواضح أن إرث القازاني ترك بصمة على التراث الفكري الإسلامي. فكانت ترجمته التي قام بها ليواسي نفسه في لحظات الظلام، أيضا عزاءً وانيسا لكل مهاجر أو مسافر وجد نفسه وحيدا من الحجاز الى بخارى، أو لروح وحيدة مثلي في برلين تحن لشارع الجيزة.
أتذكر بعد حادثة السيارة ببضع سنين كنت جالسة مع أبي نتبادل أطراف الحديث عن الملل الذي يشعر به في صباح يوم السبت الباكر. قلت له: "مفيش حل للملل ده؟"
فاجأني بأنه حاول – أو ربما جدتي، رحمها الله، هي التي حاولت – أن يداوي الملل بقراءة كتاب وداعا أيها الملل لأنيس منصور. انهرت من الضحك: "حقيقي فيه كتاب بالاسم ده؟ طب، وايه؟ الملل راح؟"
ضحك أبي وقال: "لا، ما راحش".
لم يذهب ملل أبي، ولم يتداوَ ألمي بعد حزني على القازاني، ولكن الكتب، وآخرون مثل القازاني وفخر الدين، في كل مكان، يحاولون أن يداووا آلام الغربة والسفر.






قد ايه أنا كنت محتاجة أقرأ الكلام ده في التوقيت ده! كلامك عفوي وعميق يا مريم وبينم على أنك كاتبة مرهفة وعلى اتصال وثيق بمشاعرك وكينونتك. حكيك عن تجربة الغربة مختلف ومتميز وخلاني أتمنى أني
كنت أقدر أخفف عنك حدة الغربة وآلامها. أكيد القازاني لو كان لسه عايش كان زمانه بيقول على نفسه محظوظ جدًا أنه باحثة من الطراز الرفيع زيك أحيت ذكره وإرثه. رجاءً استمري في كتابة هذا المحتوى الماتع والممتع!
I really enjoyed this