الخلوة وضرورة الاختفاء
عن اعتزال ما يؤذينا وأبو حامد الغزالي و الخلوة مع النفس
في عصرما قبل الذكاء الاصطناعي والخوارزميات، كنت أختفي عن وجه الأرض لأسابيع بين الحين والآخر. لم أكن أمتلك هاتفاً ذكياً آنذاك، كان ذلك في المرحلة الانتقالية بين أجهزة البلاكبيري» والآيفون. كنتُ أتجوّل حاملةً هاتفي الوردي من «سامسونغ» الذي لم يكن يُستخدم إلا لإجراء المكالمات واستقبالها، وكنتُ أحمّل عليه بعض الأغاني مساء كل سبت استعداداً لركوب حافلة المدرسة صباح الأحد، حيث أجلس في مقعدي عند الزاوية وأسمح لأفكاري وعالمي الداخلي بابتلاعي. كانت علاقتي بالهاتف محدودة للغاية؛ أستخدمه فقط لإبلاغ والديّ بمكاني إن خرجت، أو للاتصال بصديقاتي حين أصل إلى نقطة لقائنا في أمسيات الخميس، أو لأتأكد من صديقتي إن كنتُ قد وضعت كتاب المدرسة في حقيبتها خطأً بدلاً من حقيبتي.
أحياناً، أحمد الله أنني أنهيت دراستي قبل أن يصبح إنستجرام وتيك توك جزءاً من الحياة اليومية (صحيح أنّ إنستجرام كان موجوداً، لكنه اقتصر على منشور سنوي في أعياد الميلاد، نصنع فيه كولاجاً من صورنا مع صديقاتنا المقرّبات ونحصل على سبع إعجابات، هي غالباً من أفراد المجموعة وأحد الوالدين). كنت سأعاني آنذاك من قلق مراهقة مفرط — وقد كان مفرطاً أصلاً بما فيه الكفاية.
أيام والله….
أفضل ما في ذلك الزمن أنّني كنت قادرة على التركيز. لم تكن أصابعي تعرف ملمس الحروف على الكيبورد كما تعرفه الآن (أستطيع اليوم النظر في عيني شخصٍ ما والتفاعل معه تماماً، بينما أصابعي تحوم فوق كيبورد الهاتف تجيب على محادثة أخرى في مكانٍ آخر؛ مش حاجة تجنن؟).
على أية حال، كنت أدخل في عزلةٍ ذاتية كلّما بدأتُ كتاباً وبلغتُ معه درجاتٍ عالية من التوتّر والانفعال جعلتني أختفي عن وجه الأرض. لديّ قائمة كتبٍ عزيزة على قلبي أستطيع من خلالها تتبّع تاريخي في الاختفاء.
رواية نادية ليوسف السباعي
كانت رواية ضخمة في مجلدين تخصّ جدّتي. نسخة قديمة مائلة إلى الصفرة، أوراقها بالكاد متماسكة بالغلاف. كنت أقرأها جالسة على مكتبي، حريصة ألا أفتحها كثيراً كي لا تنفصل صفحاتها. تروي قصة توأمين متناقضتين تماماً: نادية الهادئة المتفانية المتخفّية في ظل الآخرين، ومُنى الجريئة الصاخبة. كنت أهوى الشخصيات المعقّدة، وكانت نادية أكثرها تعقيداً. بعد إصابتها بحروقٍ شوّهت وجهها في حادث، تبدأ نادية بمراسلة الطبيبٍ مدحت وأحبّته متخفّيةً في شخصية أختها الجميلة مُنى. وحين تموت مُنى، ويزور الطبيب العائلة، تجد نادية نفسها أمام خيارٍ صعب: هل تعترف بالحقيقة وتصارحه بحبّها وتواجه ضعفه أمام مظهرها، أم تصمت إلى الأبد وتدّعي أن الفتاة التي أحبّها ماتت؟
قرأتُ الكتاب عندما بدأتُ المرحلة الثانوية بعد انتقالي إلى مدرسة جديدة لم أرغب بالانتقال إليها. كنتُ خائفة من فكرة تكوين صداقات جديدة وإعادة تقديم نفسي للآخرين. لذلك تعلّقتُ بنادية تعلّقاً شديداً؛ جلستُ في هدوء غرفتي أتأمّل معها ضرورة أن نكون عرضةً للانكشاف والضعف. كنت أشاركها الصراع: ماذا لو عرفني الآخرون حقاً؟ ما الذي يُخيفني؟ في النهاية، قرّرت نادية أن الصدق ضرورة؛ إن لم تقل الحقيقة الآن وتُظهر للطبيب أنّ المرأة التي أحبّها لا تزال حيّة — وإن كانت مشوّهة — فربما لا تجد فرصة أخرى. بعد تلك العزلة مع الكتاب بكيت طويلاً، ثم ذهبتُ في اليوم التالي إلى المدرسة وسمحتُ لنفسي بالتحدّث إلى الأخرين (وانتهى الأمر بأن أصبحتُ قريبة منهنّ إلى اليوم).
رواية The Basic Eight by Daniel Handler
تجربة القراءة هذه حيّة في ذاكرتي إلى درجةٍ غريبة. أذكر أنّه كان يوم ثلاثاء، وعدتُ من المدرسة، وكنتُ في خلافٍ مع صديقاتي بسبب صبيٍّ، بالطبع ونقاشنا حول ضرورة ألا ندع الأولاد يعكّرون صداقاتنا. رميتُ هاتفي في الدرج، تجاهلتُ جدال واتساب المتواصل، وجلستُ أمام الكمبيوترلأقرأ. كان ذلك في الزمن البائس الذي سبق الكتب الإلكترونية وأجهزة «كيندل»؛ كنتُ أحمّل نسخ PDF مقرصنة من الكتب التي أريدها على كمبيوتر العائلة.
تتتبّع الرواية سنة التخرّج للطالبة «فلانري كولب» وسبعة من أصدقائها، وتُفصّل كل ما يرهق طلاب الثانوية: الغيرة بين الأصدقاء، الإعجاب من طرفٍ واحد، ضغط الامتحانات، والأمل بأنّ صديقتك المقرّبة لا تحاول تحطيمك بل تحبّك وتريدك لنفسها. تغيبُت عن المدرسة يومين متتاليين لأقرأ. ادّعيت المرض، رغم أنّ مرضي كان وجعاً في الدماغ بسبب الخلاف مع صديقاتي.
محور الرواية كان إعجاب فلانري بالفتى آدم سلايت. كان إعجاباً أعمى جعلها تهمل نفسها وطموحها وعلاقاتها. أما هو، فكان يعلم بمشاعرها لكنه استغلّها لحسابه. ومع تدهور حالتها النفسية، تقنعها صديقتها «ناتاشا» بأن تقتل آدم! قد يبدو هذا تصعيداً غير مبرر، لكن صدّقوني، كان في قطع هذا التعلّق ما يشبه الخلاص:
استوعبت فلانري في النهاية، وأنا معها، درساً حاسماً: قسوة آدم وعدم اكتراثه لم تكن تظاهراً، لم يكن يحبّها سراً كان فقط قاسياً. وبهذا، كان موته شكلاً من العدالة. عدتُ إلى المدرسة في الأحد التالي، احتضنت صديقاتي جميعاً، وأرسلتُ لهنّ مشهد قتل آدم. جعلنا ذلك نعيد التفكير في أولوياتنا: الصداقة النسائية فوق أيّ فتى عاجزٍ عن الحبّ.
رواية My Year of Rest and Relaxation by Ottessa Moshfegh
بعد تخرّجي من الجامعة كنتُ مستنزفة تماماً؛ عقلياً وعاطفياً وجسدياً. أنا كائن لا يعرف الراحة — لا أعرف كيف أرتاح، وهذه مشكلة مزمنة. عزلتي أثناء قراءة هذا الكتاب لم تحلّ المشكلة لكنها ساعدتني في فهمها: كنت أشعر بالذنب حين أرتاح. حصلت على عمل قبل التخرّج لأن فكرة الجلوس بلا شغل ولا مشغلة كان مرعبا. لكن عملي في مركز أبحاث الجامعة منحني عطلة الصيف حتى سبتمبر، فوجدت نفسي مضطرة إلى «اللاشيء». فالتقطت كتاباً.
رواية عامي من الراحة والاسترخاء لأوتيسا موشفيج — الكاتبة التي أحبها وأكرها في نفس الوقت — كانت تجربةً تأمّلية في عزلتي. سافرت لزيارة أقاربي، واختفيت لبعض الوقت وأنا أقرأها. تروي قصة شابة تقرّر النوم عاماً كاملاً هرباً من الحياة ومشكلاتها: مثل وفاة والديها، حبيبها القاسي، وأزعاج صديقتها المتطفّلة. كنت أسأل نفسي أثناء القراءة: ماذا أبحث عنه هنا؟ هل أطلب تبريراً لفرض الجامعة علي التوقّف قليلا؟ لا أدري. كنت تائهة في رأسي، أراقب التغيّرات من حولي، ولا أعرف كيف أستجيب لها. هل أردتُ أن أسبت قليلاً لأعيد ترتيب نفسي؟ ربما.
إلى اليوم لا أعرف تماماً ما الذي خرجت به من الرواية، لكنني انكمشتُ أمام صدقها الفاضح. ربما علينا أحياناً أن نستسلم؛ نعم، هو استسلام مترف وأناني، لكنني أسمح لنفسي به أحياناً. الاستسلام والهروب مفهومان غريبان في ذهني، لكن حتى إن لم أستطع الاختفاء لعامٍ كامل، أستطيع أن أختفي لأيام، أو أسبوع على الأكثر.
بوصفـي مؤرّخة للتاريخ وفكر التصوّف، طالما صادفت فكرة أنّ الصوفيين، “بكل حديثهم الروحي وممارساتهم الفريدة، يهربون من الواقع” كما يقول الناس. مفهومهم عن «الخلوة» هو ترك الدنيا حتى لا تجذبهم الشهوات عن طريق معرفة الله والصدق والمعرفة. المثال الأشهر طبعاً هو الإمام أبو حامد الغزالي؛ بعد أزمته الإيمانية وصراعه بين دوره كفقيه في بغداد ووظيفته السياسية في تثبيت النظام حين عيّنه نظام الملك على رأس المدرسة النظامية، قرّر الغزالي الاعتزال لعشر سنوات. كثيرون يصوّرون عزلته كدليل على لا مبالاة الصوفيين بالسياسة والمجتمع. لكننا نتجاهل أن الغزالي لم يعتزل المجتمع نفسه، بل رفض أن يضع علمه وإنتاجه الفكري تحت يد الدولة. لقد رفض هيمنة السلطة على ما يكتب ويعلّم ويعظ.
خلال خلوته كتب إحياء علوم الدين وهو دليل للمسلم في كيفية التعامل مع المجتمع، وكيف يكون مسلماً صالحاً، وكيف ينظّم حياته الباطنية. يبدأ الكتاب بباب «طلب العلم»، حيث يدعو الغزالي طالب العلم إلى مراجعة نيّته: لماذا أتعلم؟ هل لأغراضٍ دنيوية؟ للشهرة؟ للمنصب؟ لإرضاء الحكّام؟ في ابتعاده عن توظيف وتسخير معرفته لخدمة الدولة السلجوقية، استخدم الغزالي عزلته للتفكير في دور العلم، وكيف يمكن توجيهه لخدمة المجتمع دون أن يُستَغلّ.
اليوم، قد تجلس وحدك وتقرر تجاهل الجميع لكننا في زمنٍ لا نعرف فيه الوحدة. هواتفنا ملتصقة بأيدينا؛ نحدّق فيها بلا توقف، نرسل الرسائل، نبحث عن أشياء دون أن نُكمل فكرة واحدة. الأسبوع الماضي ذهبت إلى الجيم واكتشفت أن سمّاعاتي غير مشحونة؛ لم أستطع تحمّل دقيقة من التمرين بلا صوتٍ في أذنيّ. لقد نسينا كيف نكون وحدنا.
لذلك، ثمة ضرورة في الاختفاء. العزلة لا تعني ترك المجتمع، بل التخلّص من كلّ ما يستنزف قدرتك الفكرية والعاطفية، ويقوّض قابليتك للسكينة والتفكير. رأيت على الإنترنت محاولاتٍ لتطبيق العزلة من خلال تقليل الإدمان الرقمي: أن تضبط منبّهك لتجلس خمس عشرة دقيقة في صمت، أو تقوم بعملٍ منزلي دون موسيقى أو بودكاست. عزل حواسك عن التحفيز المستمر يساعدك على التفكير بعمقٍ أكبر، والشعور أكثر، وإعادة النظر في الأسباب وراء أفعالك. ط
علينا أن نعتزل ما يؤذينا ولكن مطلوب التفكر في لماذا يؤذينا ما يؤذينا ومن أيضا يشعر بالأذي مثلنا وكيف نتوصل لحل.






احيانا كثيره اشعر بالحاجه الى الاختفاء صدقت
شكرا