لم أستمتع يومًا بقراءة رواية عن شخصية "طيبة". لم أفهم يومًا، حتى وأنا طفلة، جاذبية الاستماع إلى قصة عن شخصٍ كان صالحًا من البداية حتى نهاية القصة أو الرواية. تتعرّض الأميرة لعوامل الشر طوال الحكاية، ومع ذلك لا تغضب ولا مرة، ولم تصفق الباب بعنف،و لم تتلفّظ بكلمة جارحة لم تقصدها في لحظة انفعال. بدلاً من ذلك، كانت تضحك مع السناجب الصغيرة والطيور، وتكون رقيقة في تعاملها مع الأقزام، و لديها لا نهائية للعطاء مع زوجة أبيها القاسية.
لم أفهم هذه الرواية.
لذلك تجنبت هذا النوع من القصص، وتجنبت أيضًا أن تُكشف عيوبي أمام الآخرين. إن كانت رابنزل قد حُبست في برج لسنوات وبقيت رغم ذلك واثقة بشخص غريب إلى حد أن تُلقي له شعرها، فلماذا كنتُ أغضب من أصغر الخيانات؟ وإن كانت سندريلا قد تعرّض فستانها للتمزيق القاسي من زوجة أبيها وبناتها، واستطاعت رغم ذلك أن تنظّف المنزل بعد أن سُرقت منها فرصتها الوحيدة للبحث عن الحب الحقيقي، فلماذا صفقتُ الباب عندما مُنعتُ من الخروج لأنني قصّرت في امتحاناتي؟
لماذا كنتُ دائمًا أرتكس هكذا؟ ولماذا كنتُ دائمًا مخطئة؟ ولماذا لم أستطع فعل أي شيء تجاه ذلك؟
قرأتُ رواية النبطي ليوسف زيدان في نهاية المرحلة الثانوية، وأتذكر قولًا لماريا، البطلة التي شعرتُ بارتباط عميق معها، وما زال يطاردني حتى الآن:
لا تعترفي لأحد ولا تبوحي، فالغفران غير مضمون
خططتُ تحت هذه الجملة في نسخة أبي من الكتاب، كنتُ قد استعرتها من مجموعته الواسعة من كتب يوسف زيدان. وكتبتها في دفتري الصغير الذي كنتُ أحمله معي في كل مكان. وكتبتها في مذكّراتي. وكتبتها في تطبيق النوتس في موبيلي. فعلت بي تلك الجملة شيئًا لم أستطع فهمه تمامًا إلا مؤخرًا: لم أكن متأكدة أن الناس سيغفرون لي كثرة عيوبي. وكنتُ أقسى الناس على نفسي كلما أخطأت؛ خائفة من أن يظهر ذلك على السطح، وخائفة من أن يرى الآخرون نقصي، وغضبي، وعجزي عن الهدوء عندما أكون في حالة ذعر، وسهولة بكائي. كنت قد قررت أن لا أحد يغفر الضعف والأخطاء.
استغرق الأمر وقتًا حتى فهمت أن مشكلتي لم تكن في عدم قدرة الناس على مسامحتي؛ بل في أنني لم أستطع مسامحة نفسي.
كان والداي يقرآن لي ولأخي قصص الأطفال قبل النوم. والدتي تختار بعناية كتب الصور التي يقرآنها لنا ويعلّمانا من خلالها الربط بين الصورة والكلمة. بطريقةٍ ما وجد والدي أننا أصبحنا أكثر استعدادًا، كلما كبرنا قليلًا، للغوص في قصصٍ أكثر تعقيدًا. وفي كل صباح يوم الجمعة، كنّا أخي وأنا مصدر فوضى في المنزل، يجلس معنا في السرير ويحاول تهدئتنا كي لا نوقظ والدتي لترتاح، وكان يحكي لنا قصص الأنبياء بأسلوب قصصي جميل ما زلت أتذكره، كان يسردها لنا بالترتيب الزمني، قصة بعد أخرى. أدركت لاحقًا أن هذه القصص كانت الأقرب إلى قلبي. ليس لأنها قصص دينية بالضرورة أو مليئة بالوعظ، بل لأن والدي كان يرويها — بطريقة يفهمها أطفال في السابعة والعاشرة — مستندًا إلى قراءاته ودراساته الواسعة للتراث.
صُدمتُ في البداية عندما بدأنا بهذا الروتين القصصي: بالطبع كانت القصة الأولى هي أول محاولة قتل في تاريخ البشرية، عندما قتل قابيلُ أخاه هابيل. لا بد أنني نظرت إلى أخي، الذي يصغرني بثلاث سنوات، ويتبعني في كل مكان، وكان يسيل لعابه على دمى الباربي خاصتي، وفكرت: “حسنًا ... منطقي لماذا فعلها قابيل” (آسفة يا أخويا، والله أحبك الآن).
كما شعرتُ بانجذاب شديد لقصة النبي موسى. إنسانيته، وقابليته للغضب، وعثراته… كانت تشبهني؛ لم أستطع يومًا إخفاء غضبي؛ كان مرهقًا لي أن أحافظ على هدوئي عندما أُجرح أو أُحرج، أن لا أغضب، أن لا أنفعل.
ثم وصلنا إلى قصة النبي يوسف (وهو سبب تسمية والديّ لأخي يوسف)، وهنا توقفت لوهلة. سلسلة الخيانات التي تعرض لها النبي يوسف كانت كثيرة على طفلة أن تستوعبها دفعة واحدة، لكنني في النهاية فهمت. الله يضع لعباده أصعب الابتلاءات ليتمرّنوا على الصبر والذكر. لكن ما ظل يعترض طريقي مرارًا وتكرارًا في هذه القصة هي امرأة العزيز.
أفترض أن الجميع يعرف القصة: بعد أن أُلقي يوسف في البئر من إخوته الغيورين، بيع يوسف كعبدٍ في بيت العزيز. وحاولت زوجة العزيز، المبهورة بجمال يوسف، إغواءه وهددته بالسجن إن لم يرضخ. والنبي يوسف سأل الله أن ينجيه، فاختار السجن حفاظًا على نقائه. وبعد سنوات، أثبت يوسف نفسه لملك مصر، وخرج من السجن، واعترفت امرأة العزيز بأنها هي التي راودته.
ندرس في النظام التعليمي المصري، قصة سيدنا يوسف مرارًا على مرّ السنوات: في حصص الدين نحفظ السورة، ونستخرج العبرمن الأحداث، ونتعلم كيف أنها قصة معجزة. ولكن نجد في الأمتحان أننا نجاوب فقط على نوعية أسئلة مثل: “هما كانوا 12 كوكب ولا 13 ولا 14”؟
أكيد تتذكرن جميع الفتيات في المدارس المصرية الجملة التي كان لابد أن يضيفها معلّمو التربية الدينية الرجال عند ذكر القصة: وهي أن الدرس الأساسي والمهم هنا هو: لا يجب أن يُوثق في النساء. مرارًا وتكرارًا، كان المعلم يكرر إن كيدكن عظيم، وينظر إلينا نحن الفتيات وكأننا مسؤولات شخصيًا عن كذب امرأة العزيز ومكرها. لم أفهم يومًا لماذا كان يُصوَّر لنا أننا، في جوهرنا، في حمضنا النووي، في هرموناتنا الأنثوية، جنسٌ من الماكرات المخادعات.
بالطبع، “إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ” آية قرآنية (سورة يوسف، 12:28)، قالها العزيز لزوجته بعد أن اكتشف أنها اتهمت يوسف ظلمًا، وبعدما انكشف كيدها حين ظهر أن قميص يوسف قد قُدّ من دُبر: دليلًا على أنه لم يكن هو المعتدي. الآية تصف دهاءً قويًا في ذلك السياق تحديدًا.
لكنني كنتُ، طوال حياتي، كلما ذُكرت زوجة العزيز في نقاش عن النساء، أشعر بالارتجاف والانكماش داخلي. هذا بالضبط سبب قسوتي على نفسي — كي لا أقع في فخ عدم غفران الأخريين لي، وكي لا أكون سببًا في تشويه سمعة النساء عبر التاريخ بسبب خطأ واحد.
منذ ثلاث سنوات بدأت أن أهتم بالأدب الفارسي. أخذت كورس جامعي عن المخطوطات والفنون الفارسية. وبينا كنت أجلس في الصف مع زملائي بلا أي همّ، فجأة قابلت زليخة.
هذه ليست امرأة حقيقية. لاحقًا عرفت أن هذا هو اسم امرأة العزيز. لم يخطر ببالي سابقًا أن أتساءل إن كان لها اسم.
ولكان لها اسم.
زليخة.
وكانت مجسّدة في لوحة رسمها فنان فارسي اسمه بهزاد الذي عمل في البلاط التابع لحاكم هيرات التيموري، السلطان حسين بايقرا.، وكانت الرسمة معروضة أمامنا على شاشة العرض في القاعة المظلمة.
حدقت في لوحة زليخة وهي تحاول الإمساك بالنبي يوسف؛ راكعة في حالة من الانكسار. شرحت أستاذتي أن قصة النبي يوسف وزليخة كانت محورية ومحبوبة في الأدب والفنون الفارسية. انتظرتُ أن تقول إنها قصة تحذيرية عن كبرياء النساء ومكرهن، لكن قالت شيئًا آخر تمامًا: إنها قصة حب، وغفران، وصبر.
خرجت من القاعة، وركضت إلى مكتبة الجامعة، وبحثت عن ترجمة عربية للعمل الذي نصحتنا الأستاذة بقراءته لفهم تصوير بهزاد لزليخة كمستسلمة، وراكعة، ومنكسرة. وجدت الكتاب: يوسف وزليخا لجامي. كان جامي شاعر فارسي من القرن الخامس عشر، ومشهور بشعره الصوفي. أعاد تفسير قصة يوسف وزليخة لإظهار أهمية الصبر وطلب المغفرة وإمكانية الفرصة الثانية. والأهم بالنسبة لي كان: القصيدة كانت عن زليخة. هي البطلة. أخذنا جامي في رحلة معها منذ طفولتها، قبل أن تلتقي بيوسف، وحتى كبرها المليء بالندم والانكسار. فقصة زليخة كانت عن الزهد ومسامحة النفس والبحث عن الله.
احببت تصور جامي المختلف لقصة زليخة. ففي قصيدة جامي تبدأ القصة بأن تنام زليخة الصغيرة وتحلم بيوسف، سنين عديدة من قبل أن تلقاه ولكنها تعرف في قرارة نفسها أن الله لم يخلق رجل آخر لها. فبعد عدة سنين، تحن زليخة لرجل لم تقابله قط، لكنها تحبه وتشتاق إليه، وتتحدث معه في المنام. وعندما تلتقي بيوسف تعرف أنه لها، ويعرف يوسف إنها له ولكن الوقت والظروف لا تسمح. تنهار زليخة وتشتاق، وتتعب وتحاول إقناع يوسف بالهروب معاها. وهنا يقوم جامي بتوصيل فكرة أن الحب يشفي. يبوح يوسف بحبه لها ولكنه يطلب منها الصبر. تصبر زليخة، تصبر سنين لأنها تحب يوسف ولأن الله اطمئنها، في صباها، عندما زارها يوسف في الحلم...يوسف لها فيجب أن تصبر. ولكن تخطئ زليخة وتحاول أن تراوده. وتذهب الأحداث مثل ما قيل في القرأن. وكن بعد أن طلبت العفو من الله وسلمت نفسها للصبر على الشدة يجتمع الحبيبان وتشفي زليخة من داء الحب الى حب الله وبالتالي حب نفسها: حتى وان كانت مخطئة.
الفكرة هي أن الروايات الأخرى التي عرفتها اختزلت زليخة في خطيئتها، وجعلت ذنبًا واحدًا خلاصة وجودها، وسببًا لإزاحتها من السرد، ولتحميل النساء بعدها إرث المكر والخطيئة. بينما أكّد جامي شيئًا واحدًا: زليخة أخطأت، وندمت، وتابت، والتجأت إلى الله، فغفر لها، وكوفِئت لأنها غفرت لنفسها أيضًا وسعت لتصبح أفضل.
خطؤها لم يحدد مصيرها أو قيمتها بعد ذلك. لم يكتب جامي قصة بديلة لتبرئة النساء أو لتصحيح التأويلات بل ليقول لنا: الخطأ جزء من إنسانيتنا، وواجبنا أن نطلب الغفران ونرجو أن نكون أفضل المرة القادمة.
عدتُ إلى لوحة بهزاد وتأملت وجه زليخة عن قرب. لم أعد أكرهها. ولم أعد أكره نفسي. أنا لست شريرة بطبيعتي. لست ماكرة بالفطرة.
رسم بهزاد وجه امرأة في صراع داخلي؛ تبحث عن التوازن، وتحتاج إلى الغفران، تحتاج إلى قصة جديدة تعيد لها إنسانيتها بعد سنوات من التشويه المعرفي.
أعتقد أن ما ينبغي التركيز عليه ليس أن نحرص على عدم ارتكاب الأخطاء، ولا أن نرجو أن يسامحنا الناس. ما هو أهم — في ظني — أن نكون رحماء بأنفسنا، أن نفهم أن عيوبنا لا تجعلنا غير جديرين بالحب؛ بل تنبهنا إلى حاجتنا لأن نحب أنفسنا أكثر، وأن نكون أقل قسوة عليها، وأن نفهمها ونحتويها، وأن نحاول أن نكون أفضل في المرة القادمة.
قبل أسابيع قليلة، التقيت بزليخة من جديد؛ هذه المرة كصديقة قديمة. تعيد رواية رأيت يوسف لمروة عبد الجواد سرد القصة من منظور بنت خالة زليخة القاسية.
نرى فيها كيف تبدأ زليخة كامرأة متعالية، ثم تدرك أخطاءها وتعتنق دين يوسف، ولا ترغب في شيء سوى الله. يغفر لها يوسف في النهاية، ثم تغفر لها ابنة عمها بعدما تدرك أن الكمال مستحيل لمن لا يرى قابليته للخطأ. هذا الاقتباس، بعد أن تدرك ابنة العم خطأها في الحكم على زليخة، يلخص تمامًا ما أشعر به:
كن لطيفًا قليلًا مع نفسك. اعترف بأن الخطأ خطوة أولى للخروج من القفص الذي بنيته حول نفسك. إن لم تسامح نفسك، يا عزيزي القارئ، فلن يفعل أحد. إلا الله، الله يغفر.








مريم، ده من أحلى الحاجات اللي كتبتيها.
إحنا مش بنتكلم كفاية عن قد إيه المفروض ندي نفسنا مساحة، لإننا هنغلط غصب عنا عشان إحنا بني آدمين.
وكان بيتقال لنا بزعيق: ما تعمليش كده تاني، يا إما مش هيحصلك كويس… والعنف ده هو اللي خلانا نكبر ونبقى قاسيين مع نفسنا قوي كده.
هنغلط، ونتعلم، ونسامح نفسنا، وندعي ربنا إنه يسامحنا. الله غفور.
بجد أنا استمتعت اوى ❤️
قريت القصة بالصدفة و أنهيتها ووجهي كذا 😦 و كيف ان البشر عمموا على جميع النساء بأنهن كيدهن عظيم 😕 اشكرررك 🤍