الثورة العربية والدولة العثمانية في كافتيريا الجامعة
عندما يجتمع الباب العالي مع أبو كف رقيق وصغير (1/2)
٢٣ يناير ٢٠٢٣
شهدتُ اليوم ما لا بد أنه كان البوادر الأولى لثورة العرب الكبرى عام ١٩١٨ ضد الدولة العثمانية. كنا في كافيتيريا الجامعة، وكان معي غدائي المُحضَّر الذي ظل الجميع يحدّق فيه («يجب أن أطبخ»، تقول لي سلوى* للمرة المليون، وهي مصرية أخرى في قسمنا، ومعها أحمت (نعم أحمت وليس أحمد)، التركي الفخور؛ ينظر الزبير إلى معكرونتي بحسرة بينما يزيح كوب الحساء شديد الملوحة بعيد عنه؛ فحتى الآن لم نتمكن من تمييز نوع الخضار الذي هُرس وتحول إلى حساء اليوم)، وكان الجميع تقريبًا قد انتهى من الأكل. لست متأكدة تمامًا مما بدأ الأمر، لكن ذكر الزبير رحلته المفاجئة إلى مونتينيجرو مع أحمت لبقية الطاولة، وهنا ساءت الأمور:
«ما الذي في مونتينيجرو؟» رفعت سلوى حاجبها. وقد أصبحت أتعرف على هذا الحاجب باعتباره «The Judgemental Brow».
«نعم، لماذا مونتينيجرو؟» أضاف طارق، وهو ألماني-مصري أكبر منا ببضع سنوات.
ابتسمت لزميلي الزبير وقلت له: «ولِمَ لا؟»
أهداني ابتسامة شكر وأومأ برأسه.
«إنه مكان غبي، لا يوجد فيه شيء—» بدأ أحدهم يقول
وتابع آخر: «—لماذا لا تذهبون إلى البرتغال؟ مونتينيجرو هي براج الرخيصة»
«على فكرة، لقد حجزنا خلاص»، قال أحمت. بدأت ألاحظ أنه غير مرتاح بشكل واضح، وفي هذه اللحظة كان الزبير قد انصرف عن الحديث وبدأ يلف سجائره. «لا بأس إن أردتم الذهاب إلى البرتغال أو براج»، قال للمصريين على الطاولة، «لكن سنذهب أنا والزبير لرؤية أحد آخر معاقل الإمبراطورية العثمانية».
«كل شيء عندك يجب أن يكون متعلقًا بالقومية»، قال طارق وهو يدير عينيه. أدركت أنه لديه عادة عصبية عندما يشعر أنه على وشك أن يُغلب في النقاش؛ يسلك الطريق الأسهل بالسخرية من الطرف الآخر. ومع ذلك، لم يكن مخطئًا تمامًا.
نتحدث كثيرًا عن الطعام في القسم بالجامعة؛ بينما نرتشف أكواب الشاي بين جلسات الكتابة، أو ونحن في طريقنا إلى المحاضرات، أو ونحن واقفون في المترو المزدحم مبللين من المطر نحاول أن نتخيل مكانًا أكثر دفئًا، حيث كنا في بيوتنا نأكل طعامًا أُعدّ في أوطاننا، لا نحاول أن نفهم كيف يمكن تحويل معجون الطماطم البائس من «ليدل» إلى صلصة شهية. وكلما تحدثنا عن الطعام، ينتهي بنا الأمر دائمًا إلى الحديث عن الدولة العثمانية.
إذا ذكرت كم أشتاق إلى المحشي، سيخبرني أحمت أنه «الدولما» العثمانية.
إذا ذكرت المسقعة، سيصححها إلى «موساكا».
إذا ذكرت البقلاوة، سيقول إنها «باكلافا».
إذا قلت شكشوكة، سيذكرني بـ«المينيمين» الأكثر تفوقًا.
لم يكن ذلك يزعجني حين كان يفعل ذلك؛ لم أعتبره دعاية قومية. كان الأمر مجرد طلاب في الشتات يستعيدون ذكريات أطعمتهم المفضلة.
أما طارق، فكان غاضبًا. «أنت تعلم أنكم استعمرتم مونتينيجرو، أليس كذلك؟»
«ماذا؟» أسقط الزبير السيجارة التي كان يلفها وحدّق بعينين واسعتين باتجاه طارق.
أما أحمت، الذي احمرّ وجهه أكثر مما رأيته من قبل، فكان يضغط على أسنانه. هو معروف بأنه أكثر شخص سهل التعامل في برلين؛ إذا قررنا التوقف عن العمل والذهاب لشرب الشاي، فهو موافق. إذا قررنا تغيير المطعم، فهو موافق. إذا طلب منه أحد خدمة، فهو موافق. أكثر رجل ودي قابلته. لكنه الآن لم يعد كذلك. «لا أرغب في مواصلة هذا الحديث.»
«لا، ستواصله لأنني سئمت من قوميتك العثمانية. كانت الإمبراطورية العثمانية سيئة مثل البريطانيين! لقد استعمرتمونا في مصر.»
مازح أحدهم في الطرف الآخر من الطاولة: «طارق، متى كانت آخر مرة وطئت فيها مصر؟»
التفتُّ إلى صديقتي وتبادلنا نظرة ذات معنى: طارق بالكاد يستطيع نطق كلمة عربية، وقد كنا نسمعه مرارًا يلعن مصر ويقول كم يكرهها. من الممتع دائمًا الاستماع إليه.
«نحن لم نستعمر مصر! لكي يُسمّى الأمر استعمارًا يجب أن تتوفر معايير محددة حتى يُطلق عليه كيان استعماري.»
جلسنا هناك في وسط الكافيتيريا الألمانية الهادئة، نتجادل حول هذه المعايير. كنا مجموعة غير متجانسة من مؤرخين وعلماء سياسة وأنثروبولوجيين نتشاجر حول ما إذا كانت الإمبراطورية العثمانية قد فرضت سيطرة إدارية أجنبية؟ هل استغلت أقاليمها اقتصاديًا؟ هل أظهرت أي نزعات استيطانية؟ أعتقد أن أحدهم مزق صفحة من دفتره وبدأ يسجل النقاط التي كنا نطرحها. كان أحمت وطارق محاطين بمجموعتين مختلفتين ونحن نصرخ في وجه بعضنا بالحجج.
انطفأت ثورتنا العربية عندما مرّ أحد أساتذتنا الألمان حاملاً صينيته وسأل إن كان يمكنه الجلوس معنا. جلس، فسكتنا جميعًا، ثم التفت إلى أحمت وقال: «هل تتابع ما يحدث في الانتخابات الرئاسية التركية؟»
نحن معتادون على مثل هذه الأسئلة عندما نلتقي بزملائنا أو أساتذتنا الألمان. يعتبروننا متخصصيين في الشأن الداخلي سنكشف لهم شيئًا يفسر لهم لماذا أنظمتنا السياسية استبدادية إلى هذا الحد (بسبب الاستعمار وبسببكم أنتم، نفكر في داخلنا؛ لأنكم متخلفون، يفكرون هم في داخلهم وأحيانًا يقولون ذلك في وجوهنا).
أحمت مدرَّب على مثل هذه اللحظات، فيبتسم للأستاذ ويقول: «نعم». هذا كل شيء.
لسبب ما، اعتبر الأستاذ ابتسامة أحمت إشارة ليخفض حذره ويتحدث بصراحة معنا؛ وهو أمر جريء جدًا لرجل أبيض يجلس على طاولة في كافيتيريا مع مجموعة من أكاديميي «العالم الثالث». ضحك وقال: «لا أفهم لماذا يزعج ديكتاتورنا المفضل نفسه بهذه المسرحية، فنحن جميعًا نعلم أنه سيفوز»
تحركنا جميعًا في مقاعدنا بعدم ارتياح، ننظر إلى بعضنا البعض. نهض الزبير من مقعده وقال في تأفف: «أنا ذاهب» تزعزعت ابتسامة أحمت للحظة. نحن ننتقد أردوغان كثيرًا في دوائرنا، لكن عندما يأتي النقد من هؤلاء الألمان، فإنه يثير غضبنا جميعًا. «ألا توافقون؟» سأل الأستاذ وهو يلتفت إلى الطلاب الأتراك الآخرين على الطاولة.
عندما لم يُجب أحد، التفتت سلوى إلى الأستاذ وقالت: «سمعت أن الطلاب الألمان يحتجون على قبول الجامعة تمويلًا من السعودية. أليس هذا غريبًا وأنتم الألمان تعتبرون السعودية دولة رجعية تنتهك حقوق الإنسان؟»
قالت ذلك بوجه جامد تمامًا بينما كان الألماني يتململ أمامها.
«الأمر فقط أن المؤسسات الأكاديمية يجب أن تكون براجماتية هذه الأيام . . . لا أحد يهتم بإنتاج المعرفة، والأحزاب السياسية الفاشية بألمانيا ستفعل أي شيء لضمان ألا نُخرج طلابًا قادرين على التفكير النقدي، لذا إذا حصلنا على تمويل من الشيطان نفسه فعلينا قبوله».
«ازدواجية معايير واضحة، إذا سألتني»، قال أحمد وهو يعبث بحسائه العكر.
«إذًا فهي أيضًا مسرحية؟» قالت سلوى، «سعيدة بمعرفة أن الجميع يمثل. حتى الألمان»
حاولنا جميعًا الحفاظ على وجوه جامدة بينما نظر الأستاذ الألماني إلى ساعته وقال إنه سيتأخر عن اجتماع.
عندما وصلنا إلى مكتبنا بالقسم، كنتُ أشارك المكتب مع الزبير، وكان في المكتب المجاور لنا أحمت وصديقتي المقرّبة هند (وهي أيضًا مصرية). تركنا للتركيَّين مساحةً ليفرّغا ما في صدريهما.
كيف يمكن لطارق أن يصف الدولة العثمانية بأنها كيان استعماري؟ راحا يصرخان في وجه بعضهما. وأقسما ألّا يتناولا الغداء مع طارق وسلوى مرةً أخرى. ذكّرتُهما بأن سلوى وقفت في وجه الأستاذ الألماني من أجلهما.
هزّ أحمت رأسه بخجل موافقًا وقال: «من الصعب جدًا أن تُوصَف بأنك مستعمِر».
نظرتُ أنا وهند إلى بعضنا البعض وقلت: «أنتم لستم الإمبراطورية البريطانية طبعًا، وربما ليس بالنسبة لنا، لكن ربما بالنسبة للأرمن—».
«—من فضلكِ لا تفتحي هذا الموضوع»، تأوّه الزبير. كان هذا الموضوع تحديدًا شائكًا بيننا.
«حسنًا»، قلتُ، «قصدي هو: أنكم غزوتم مصر، وأزحتم جماعات من الناس، وفرضتم سيطرة إدارية».
فكرتُ أن أخرج هاتفي لأريهم مقدمة مسلسل «أرابيسك»، حيث يقدّم أسامة أنورعكاشة فقرة قبل بداية المسلسل سماها «فذلكة تاريخية»، يستعرض فيها كيف غزا العثمانيون مصر ونقلوا أثمن مواردها إلى إسطنبول: حرفييها. كلما عُرض هذا المسلسل على التلفزيون، كان يشاهده أبي، وبالطبع كنت أشاهده معه. كنت أكره حسن أرابيسك بشدة، لكنني كنت أحب عكاشة، لذلك لم أستطع إلا أن أشاهده معه.
أدخلتُ يدي في جيبي، وشعرتُ بقلبي يهبط إلى القاع.
«يا جماعة، هل لاحظ أحد أين تركتُ هاتفي في الكافتيريا؟»
ضرب الزبير كفّه على جبينه وقال: «تبًّا». كان يحاول دائمًا أن يتحدّث معنا بالفصحى.
تبًّا، فعلًا.
*تم تغير جميع الأسماء للحفاظ على هويتهم.




وطبعاً التيلفون ضاع ومش عارفه انتى ليه مقولتيش لاحمت انهم غزاه وسرقوا ثرواتنا 😉😉احسنت التصوير انا حسيت انى كنت قاعده معاكم برافو 👏👏👏
رائع 👏